الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، جعل الأرض قرارًا وأحاطها بسبع سموات، جعل فيها أنهارًا وفجاجًا وجبالًا راسيات، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله شمس الدجى وقمر الليالي الحالكات، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على أكمل المخلوقات، عدد ما في الكون من معلومات، ومداد ما خطه القلم من كلمات.
تفاءلوا بالخير تجدوه، فنبينا صلى الله عليه وسلم كان يعجبه الفأل، ولا يكاد يتعرض لموقف إلا وينظر فيه للجانب المشرق فيتفاءل ويبث التفاؤل والأمل فيمن حوله مهما أحاط به من صعوبات وألم.
فالتفاؤل والأمل ينعكس بصورة فورية على حياة الإنسان بالكامل، فيصبغها بألوانه الزاهية الجميلة، ويحول حياة الإنسان كلها إلى طاقة حب وتغيير وانطلاق وإيجابية. وهذا الكلام ليس مجرد كلام إنشائي، ولكنه حقيقة فعلية، فالتفاؤل يعطي الإنسان قوة استثنائية على البذل والعطاء. وانظر حولك تجد نماذج كثيرة على هذا.
بعكس التشاؤم؛ فإنه يستنزف طاقة الإنسان، ويجعله يستسلم للهزيمة بسهولة، ويسلبه الإرادة التي بها يمكنه مواجهة المشكلات وحلها، فالمتشائم مهما بلغت قوته مهزوم لا محالة في أي اختبار يدخل فيه.
وإننا في حاجة لمثل هذه الروح مع بداية جديدة، خاصة بعد انتهاء الإجازات والعودة للعمل والدراسة والنشاط، فالتحديات الجديدة تحتاج منا مثل هذه النظرة الإيجابية.
كيف نتفاءل؟
إن الحث على التفاؤل كثير، لكن الخطوات العملية للوصول للتفاؤل ربما لا يتطرق إليها أحد، حتى إن الكثير من الناس لا يعرفون كيف يتفاءلون أصلا!!
لذلك سنتطرق هنا إلى وصفة مختصرة للتفاؤل تنفع الجميع (الطلاب والمعلمين والشباب والرجال والنساء)، إذا قام بها أي أحد ستتغير نظرته للحياة بشكل عام، لكن قبل ذلك اسمع نتيجة هذه الدراسة المذهلة عن التفاؤل:
في دراسة بجامعة هارفارد الأمريكية على 70 ألف امرأة، هل تتخيل أن النساء المتفائلات أقل تعرضًا لخطر الموت بالسرطان بنسبة 16%، وأقل تعرضًا للموت بأمراض القلب بنسبة 38%، وأقل تعرضًا للموت بالسكتة الدماغية بنسبة 39%، وأقل تعرضًا للموت بأمراض الجهاز التنفسي بنسبة 38%، وأقل تعرضًا للموت من بالعدوى بنسبة 52%.
فبعيدًا عن الحياة الاجتماعية وأثر التفاؤل عليها، فالجانب الطبي أيضًا وصحة الإنسان تتأثر جدا بالتفاؤل والتشاؤم.
نرجع لروشتة التفاؤل..
أول سبب يجعل الإنسان متفائلاً هو مصاحبة المتفائلين وكثرة الجلوس معهم والاستماع إلى حديثهم المفعم بالتفاؤل والإيجابية، فإنه يمنح المستمع طاقة ويعطيه جرعة تفاؤل كبيرة طوال اليوم، وهذا جربناه كلنا. فهذه الأولى: مصاحبة المتفائلين والابتعاد تماما عن المتشائمين والسوداويين، لأن كلاً منهما ينضح على الآخر.
الروشتة الثانية: انسَ الماضي وضع تصورات إيجابية عن نفسك، فلو كنت ترى نفسك فاشلا، أو غير مؤهل للنجاح، فانس كل ذلك، وابدأ مرحلة جديدة في حياتك وضع لنفسك مواصفات جديدة واقعية، لأن التصورات السلبية عن النفس محبطة، ومهما بذل الإنسان من جهد لتغييرها فإنها ستعيده للوراء. فبدلاً من (أنا فاشل) قل أمامي تحديات وسأتخطاها بمعونة الله لي، وبدلاً من (أنا غير مؤهل للنجاح) قل سأبذل جهدي والنتيجة على الله. وهكذا.
الروشتة الثالثة: اعترف بقصورك وركز على إيجابياتك: كل واحد منا لديه نقاط ضعف في حياته، لكنه في المقابل لديه نقاط قوة، وأنا أرى أن نقطة قوة وتميز واحدة فقط في حياة أي إنسان تكفي جدًا لكي يحقق النجاح الكبير، على سبيل المثال لو شخص ليس لديه أي إمكانات علمية ولا دراسية ولا أي نوع من أنواع النجاحات، لكنه في المقابل متميز جدا في الجانب الاجتماعي وتكوين العلاقات مع الناس ويعرف كيف يكسبهم، فهذا يمكنه في سنوات قليلة أن يكون رقم واحد في مجال العلاقات العامة في أي شركة، وهكذا.. على كل واحد منا أن يعترف بقصوره ويحاول إخفاءه عن أعين الناس، ويركز على الجانب الذي تميز ونجح فيه وسيحقق نتائج مبهرة في المستقبل.
الروشتة الرابعة والأخيرة: أن تكون واقعيا، فلا تبني لنفسك أحلاما خيالية فتفشل في تحقيقها لأنها ليست واقعية، فتتسبب فيما بعد لك في الإحباط وتعزيز الأفكار التشاؤمية عن نفسك. لا، كن واقعيا، وضع لنفسك خطة واقعية لتحقيق أهداف واقعية، طموحة نعم لكن واقعية، لأجل ذلك فالأهداف قصيرة المدى مثلا لها أهمية كبيرة هنا، بحيث نحقق هدفا صغيرا ثم ننتقل إلى الذي بعده، وهكذا، فهذا يجعلنا متفائلين ومتحمسين لبذل المزيد وتحقيق المزيد.
رسائل خاصة مع بداية العام الجديد:
أولاً لكل أسرة تعيش في بلدنا الحبيب: ابدؤوا بداية جديدة، فمهما كان حجم التحديات والمشاكل الزوجية فبالإمكان تجاوزها، مهما كانت صعبة، فالرباط الذي بين الزوجين والمودة والمحبة كفيل بإنهاء أي خلاف. تغافروا، وتسامحوا وابدؤوا بداية جديدة مليئة بالأمل والتفاؤل، فإن الحياة لا تستحق أن يحزن الإنسان أو يتشاءم أو يضيع ولو يومًا واحدًا في الخصام والقطيعة.
ثانياً إلى الموظفين والعائدين إلى أعمالهم: تفاءلوا، واملؤوا قلوبكم طاقة وإرادة، وأوقدوا شعلة الإيجابية والإنتاج لأنفسكم ولهذا البلد المعطاء لتجدوا في المقابل منه كل خير وجميل. ابتعدوا عن الصراعات، وأديروا أوقاتكم بذكاء، واجعلوا التفاؤل شعاركم في الحياة.
ثالثًا إلى الطلبة وتلاميذ المدارس، تفاءلوا واستعينوا بالله، وابذلوا جهدكم في التحصيل والدراسة، وأؤكد عليهم عدم الاستسلام لأي مشاعر سلبية، صحيح أنهم قد ارتاحوا فترة الإجازة فلديهم شعور الآن بالضعف أو التعب وعدم الإقبال، فيمكنهم بسهولة وبمساعدة الآباء أن يتهيؤوا ويتحضروا للموسم الجديد ويعيدوا ضبط البوصلة مرة أخرى بالطرق التالية:
-
الاستعداد الجسدي: وذلك بالاستيقاظ مبكرا بصورة تدريجية حتى ولو ساعة مبكرة يوميا حتى يتعود الجسم، والبعد عن الأجهزة الإلكترونية أيضا بشكل تدريجي بسبب ضررها وتأثيرها على التركيز، والاهتمام بنوعية الأطعمة المفيدة والصحية وتقليل السكريات والإكثار من البروتينات. وأيضا ممارسة الرياضة فهي من أهم الأمور التي تهيئ الجسد وتبث فيه الروح والنشاط من جديد.
-
الاستعداد العقلي: لأن العقل هو أساس العملية الدراسية بالكامل، لأنه هو الذي يستقبل المعلومات ويقوم بتحليلها واستنتاج النتائج، ويكون ذلك عن طريق: تحديد أهداف الطالب من دراسته، مهما كانت مرحلته الدراسة، حتى طالب الابتدائي عليه تحديد هدفه القريب وهدفه البعيد حتى يتمكن من النجاح ويكون لديه حافز. وأيضا: تهيئة العقل بأنه ينتقل لمرحلة جديدة (من مرحلة الإجازة لمرحلة الدراسة). وأيضاً: التشجيع على القراءة بصورة تدريجية لو حصل فيها انقطاع أثناء الإجازة. وأيضا إن أمكن الاطلاع على المناهج الدراسية ولو بصورة سريعة فهذا جيد..
-
الاستعداد النفسي: وربما يكون هذا أهم أنواع الاستعداد والتهيئة، وهو متداخل بشكل كبير ومتقاطع مع النوعين السابقين، ولكن نضيف إلى ما سبق: إزالة حاجز الخوف والقلق لدى الطفل من الواجبات المدرسية أو الذهاب للمدرسة، خاصة التلاميذ الجدد، وإعطاؤه الشعور بالأمان والوجود الدائم إلى جواره لتقديم المساعدة. أيضًا تجهيز ركن خاص بالدراسة والمذكرة في الغرفة، بحيث يكون مجرد الدخول إليه يكون تهيئة نفسية خاصة بحد ذاته. أيضا السماح للطفل باختيار أدواته المدرسية الخاصة، فهذا يعطيه شعورا بالخصوصية والاستقلالية والثقة.
وإن من أهم المحفزات للطلبة فيما يتعلق بالجانب الدراسي: أن يطرد الطالب من ذهنه كل الأفكار السلبية عن الدراسة، لأن الدراسة مرتبطة لدى الكثيرين بالضغط العصبي والصعوبة وتحديات الاختبارات، واستبدال كل ذلك بصورة إيجابية جميلة عن طلب العلم والتفوق والنجاح ومقابلة الأصدقاء وقضاء أوقات سعيدة مبهجة مع الصحبة الصالحة الطيبة من الرفاق والأصدقاء، وأن هذه هي أجمل مراحل العمر لأنها خالية من المسؤوليات أو الارتباطات التي تثقل كاهل الكبار، فعليهم أن يستمتعوا بها بقدر الإمكان، فحتى وإن كانت فيها مسؤولية إلا أن من جمال هذه المرحلة أنها مسؤولية ممزوجة بالبهجة والفرح، لذا فالبهجة الموجودة بها تخفف كثيرا من عبء المسؤولية التي فيها.. لذا على الآباء أن يوجهوا أبناءهم لهذا، ليعرفوا أنها مرحلة جميلة من أجمل مراحل الحياة.
ورسالتي الأخيرة لكل الطلبة: تفاءلوا وابدؤوا مع ربكم بداية جديدة، فهو أولى سبحانه وتعالى بأن نفتح معه صفحة بيضاء نقية، فمهما كان تقصيرنا في حق الله تعالى فإنه يفرح بمن دخل عليه بابه ويقبل عليه ويتجاوز عما سلف في حقه. يقول الله تعالى في الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه؛ ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ؛ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إليّ شبرًا؛ تقربت منه ذراعًا، وإن تقرب مني ذراعًا؛ تقربت منه باعًا، وإن أتاني يمشي؛ أتيته هرولة".
فظنك في ربك سيتحقق لا محالة، إن ظننت به خيرا حقق لك الخير وصب عليك الرزق صبا، وإن عشت حياتك في تفاؤل أصابك خيرها وبركتها وضياؤها ونجاحها، وإن تقربت إليه ولو خطوة واحدة فستجد الفتوحات الإلهية تساق إليك سوقاً.
وانظر إلى هذا التفاؤل والأمل في قوله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). فمهما بلغت الأزمة، واشتد الكرب، فلا يزال الأمل في الله كبيرا، والمغفرة والقرب والتوفيق معلقين بوجود الأمل والتفاؤل وعدم اليأس.